فخر الدين الرازي

107

تفسير الرازي

ميمون بن مهران من عاهدته وف بعهده مسلماً كان أو كافراً فإنما العهد صلى الله عليه وسلم تعالى . الثالث : قال الأصم : المراد منه الجهاد وما فرض الله في الأموال من حق . الرابع : عهد الله هو اليمين بالله ، وقال هذا القائل : إنما يجب الوفاء باليمين إذا لم يكن الصلاح في خلافه ، لأنه عليه السلام قال : " من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر " . الخامس : قال القاضي : العهد يتناول كل أمر يجب الوفاء بمقتضاه ، ومعلوم أن أدلة العقل والسمع أوكد في لزوم الوفاء بما يدلان على وجوبه من اليمين ولذلك لا يصح في هذين الدليلين التغير والاختلاف ، ويصح ذلك في اليمين وربما ندب فيه خلاف الوفاء . ولقائل أن يقول : إنه تعالى قال : * ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ) * فهذا يجب أن يكون مختصاً بالعهود التي يلتزمها الإنسان باختيار نفسه لأن قوله : * ( إذا عاهدتم ) * يدل على هذا المعنى وحينئذ لا يبقى المعنى الذي ذكره القاضي معتبراً ولأنه تعالى قال في آخر الآية : * ( وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ) * وهذا يدل على أن الآية واردة فيمن آمن بالله والرسول ، وأيضاً يجب أن لا يحمل هذا العهد على اليمين ، لأنا لو حملناه عليه لكان قوله بعد ذلك : * ( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) * تكراراً لأن الوفاء بالعهد والمنع من النقض متقاربان ، لأن الأمر بالفعل يستلزم النهي عن الترك إلا إذا قيل إن الوفاء بالعهد عام فدخل تحته اليمين ، ثم إنه تعالى خص اليمين بالذر تنبيهاً على أنه أولى أنواع العهد بوجوب الرعاية ، وعند هذا نقول الأولى أن يحمل هذا العهد على ما يلتزمه الإنسان باختياره ويدخل فيه المبايعة على الإيمان بالله وبرسوله ويدخل فيه عهد الجهاد ، وعهد الوفاء بالملتزمات من المنذورات ، والأشياء التي أكدها بالحلف واليمين ، وفي قوله : * ( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) * مباحث : البحث الأول : قال الزجاج : يقال وكدت وأكدت لغتان جيدتان ، والأصل الواو ، والهمزة بدل منها . البحث الثاني : قال أصحاب أبي حنيفة رحمه الله : يمين اللغو هي يمين الغموس ، والدليل عليه أنه تعالى قال : * ( لا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) * فنهى في هذه الآية عن نقض الأيمان ، فوجب أن يكون كل يمين قابلاً للبر والحنث ، ويمين الغموس غير قابلة للبر والحنث فوجب أن لا تكون من الأيمان . واحتج الواحدي بهذه الآية على أن يمين اللغو هي قول العرب لا والله وبلى والله . قال إنما قال تعالى : * ( بعد توكيدها ) * للفرق بين الأيمان المؤكدة بالعزم وبالعقد وبين لغو اليمين . البحث الثالث : قوله : * ( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) * عام دخله التخصيص ، لأنا بينا